سيد محمد طنطاوي

146

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( واللَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * أي : واللَّه - تعالى - غالب على أمره ، حكيم في شرائعه وتكاليفه . قال صاحب المنار ما ملخصه . وقد كانت العرب بدوها وحضرها تفهم الكثير من وضع أسماء اللَّه - تعالى - في الآيات بحسب المناسبة . ومن ذلك ما نقل الأصمعي أنه قال : كنت أقرأ سورة المائدة ، ومعي أعرابي ، فقرأت هذه الآية فقلت و * ( اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * سهوا فقال الأعرابي كلام من هذا ؟ فقلت : كلام اللَّه . قال : أعد فأعدت و * ( اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * ثم تنبهت فقلت : * ( واللَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * فقال : الآن أصبت فقلت له . كيف عرفت ؟ فقال : يا هذا * ( عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * فأمر بالقطع ، فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع . فقد فهم الأعرابي الأمى أن مقتضى العزة والحكمة ، غير مقتضى المغفرة والرحمة وأن اللَّه - تعالى - يضع كل اسم موضعه من كتابه » « 1 » . ثم فتح - سبحانه - لعباده باب التوبة فقال - تعالى - : * ( فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِه وأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّه يَتُوبُ عَلَيْه ) * . أي : فمن تاب إلى اللَّه - تعالى - توبة صادقة من بعد ظلمه لنفسه بسبب إيقاعها في المعاصي التي من أكبرها السرقة وأصلح عمله بالطاعات التي تمحو السيئات * ( فَإِنَّ اللَّه يَتُوبُ عَلَيْه ) * أي : يقبل توبته ، ويغسل حوبته ، إن اللَّه واسع المغفرة والرحمة ومن مظاهر ذلك أنه سبحانه - فتح لعباده باب التوبة والإنابة . فالآية الكريمة ترغب العصاة من السراق وغيرهم في التوبة إلى اللَّه ، وفي الرجوع إلى طاعته حتى ينالوا مغفرته ورحمته . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على شمول قدرته ، ونفاذ إرادته بصيغة الاستفهام التقريرى فقال - تعالى - : * ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّه لَه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * بحيث يتصرف فيهما وفي غيرهما من خلقه تصرف المالك في ملكه بدون مدافع أو منازع . فالاستفهام هنا لتقرير العلم وتأكيده . أي إنك تعلم أيها العاقل ذلك علما . متيقنا ، فاعمل بمقتضى هذا العلم ، بأن تكون مطيعا لخالقك في كل ما أمر ونهى وبأن تدعو غيرك إلى هذه الطاعة . وقوله : * ( يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ) * تأكيد لشمول قدرته ونفاذ إرادته ، أي : هو -

--> ( 1 ) تفسير المنار ج 6 ص 384